أقصر الطرق نحو التميز

في مهد المدونات كثر الجدال حول التعليقات باسم مجهول واعتبر هذا الفعل مخلا بأخلاقيات التدوين, لأن امتطاء هذا الاسم كثيرا ما كان يحمل الكثير من المضايقات للمدون المتلقي, حتى أصبح عالم المدونات على منصة مكتوب آنذاك كرا وفرا ومعارك تعليق, طبعا الأمور تغيرت الآن وأصبح هذا المشكل في سلة مهملات الماضي لأن التعليق الآن متحكم فيه من طرف المدون ولا ينشر إلا بعد موافقة صاحب المدونة, ومن أقبح ما كان يفعله المعلقون استخدام أسماء مدونين آخرين للتعليق والسخرية حتى لجأت إدارة مكتوب حينها إلى استخدام كلمة “غير موثوق” كلما كان التعليق باستخدام “اسم آخر”, وظهرت أيضا التعليقات المزعجة وهي نص عشوائي غير مفهوم يحوي على روابط الهدف منه الإزعاج وفقط, وكثيرا ما يجده المدون بالعشرات في مدونته, غير أن هناك برامج تحمي من هذا النوع من الرسائل وهو متوفر في برنامج ووردبرس الشهير, وطفا بعدها إلى السطح الحديث عن أخلاقيات التدوين واقتصر الحديث عن التعليق وأدبياته. كل الممارسات السلبية في عالم المدونات آتية من العقلية الهاوية التي تعتقد أنها في عالم حر تفعل ما تشاء ما دامت بعيدة عن عين الرقيب ومقصه, وتقول ما تشاء ما دامت تتكلم من موقع قوة, الأمور تغيرت الآن وأصبحت المدونات مرجعا للمعلومة والرأي تنهل منه مختلف القنوات الفضائية ومرجعا للصحافة المكتوبة والمسموعة, ولكن ليست أي مدونة تحظى بهذا الاهتمام, فهناك من الميزات والأخلاقيات التي جعلت من هذه المدونة تستحق أن تكون مصدرا موثوقا به, يستطيع أي إنسان أن يقرر في أي لحظة أن يكون لاعب تنس مثلا, ولكن في بدايته الرياضية هو لاعب غير مصنف في هذا النوع من الرياضة وان أراد أن يكون مصنفا فعليه أن يعمل على تحسين الكثير في من أدائه حتى يحظى بمرتبة في ذيل القائمة وعندها سيعرف حتما ما ينتظره إن هو أراد تسلق رأس القائمة, وهو المثال الذي نضربه للمدون الذي يريد أن تكون لمدونته موقع في مدار الاحترافية من ناحية المضمون خاصة, دون أن نهمل قالب وشكل المدونة لأن له تأثيرا كبيرا في الإقبال على المحتوى إن كان احترافيا, وسنحاول أن نعرض بعض الأخلاقيات في خمس نقاط أعتقد أن الالتزام بها سيعطي نظرة أكثر من جيدة لأي مدونة:

– أبدأ بالصدق وهو أساس نجاح أي عمل, وما نقصد بالصدق في عالم التدوين أن لا يكتب المدون ما لا يفعل, غير مقبول أن يتحدث عن الفساد ويتحدث عن آفات المجتمع المختلفة وربما هو مساهم بشكل من الأشكال في كل هذه الظواهر من خلال ما التصق بذاته من إدمان لأي شكل من أشكال الانحراف, وقد يبدو لأحدهم الأمر عاديا أن يكون مدمنا على المخدرات مثلا وفي نفس الوقت يتحدث عن القيم الخلقية في المجتمع, وأن يكون مختلسا راشيا في مكان عمله غير محترم لمواقيت العمل لا ويتحدث عن الفساد ووجوب إحداث ثورات ضد الفاسدين, البدء بالنفس وإصلاح ما بها من انحراف أولى أمارات الصدق, ونريد هنا أن يكون النص معبرا بحق عن خلق المدون لا نصا استهلاكيا للعرض والتعليق والمشاهدة, ويدخل في ضمن هذا الحديث الصدق في القول وفي نقل الأحداث والحفاظ على حقوق الغير عند الاقتباس, واكتشاف مدى صدق النص ليس بالأمر الصعب لمحترفي الصحافة والباحثين عن مصدر المعلومة, نريد للنص أن يعكس بحق حقيقة كاتبه وحقيقة ما يكتب, وهي أولى خطوات اكتساب المصداقية عند أي قارئ. يقول سبحانه وتعالى(يا أيها الذين آمنوا لما تقولون ما لا تفعلون. كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) الآية الكريمة, ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليَصْدُقُ؛ حتى يُكْتَبَ عند الله صِدِّيقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل لَيَكْذِبُ، حتى يكْتَبَ عند الله كذابًا) [متفق عليه].

– عدم المساس بأرشيف المدونة بالحذف والتعديل, لأن ذلك يعتبر انتهاكا لحق المصدر قد يكون مدون أو موقع ما على الشبكة قد أشار إلى موضوعك, فالحذف والتعديل الذي يخل بمعنى وفكرة النص يشوه وجهة نظر المدون الذي أشار إلى موضوعك, وأتذكر مرة أني ناقشت موضوعا لأحد المدونين الأردنيين ووضعت رابطا لموضوعه في مدونتي حتى يعود إليه القارئ , ولكني تفاجأت بعد مدة أنه قام بلصق موضوع آخر في نفس رابط الموضوع, وهنا سيجد القارئ الجديد للنص نفسه في حيرة من أمره ما علاقة ما كتبت بما هو موجود في نص الزميل والطامة أن المدون الأردني كان على علم بموضوعي وتعمد فعلته, انه انتهاك صارخ لخلق من أخلاق التدوين, يؤدي إلى تشويه المحتوى الموجود على الشبكة, أيضا لا ننصح المدون بتعديل أرشيف مواضيعه بحيث يحدث خلل في المعنى أو تغيير في فكرة الموضوع فهذا يعتبر بصريح العبارة غشا, تصحيح الأخطاء اللغوية والتعديل على الخط واللون أمر ليس فيه شيء من الخطأ ولكن إضافة الفقرات وتغيير الفكرة يجب أن يكون علنيا في صفحة الموضوع كأن يشير المدون إلى الفقرة المحذوفة والفقرة المضافة, أما الفكرة فلا يجوز تغييرها يمكن للمدون أن يقدم اعتذاره علانية إن هو أخطأ في حق أحدهم, أو يعبر صراحة في فقرة إضافية بقناعته الجديدة وأن هذه الفكرة أصبحت لا تستهويه. صراحة ارتكبت شخصيا خطأ عندما حذفت مدوناتي من مكتوب كرد فعل على عدم الرضا بتعديلات أنجزت في تلك الفترة, وطبعا هنا حذفت كل المحتوى وكانت كثير من الروابط في مدونات أخرى تشير إلى مواضيع في مدونتي, وأرى أني مضطر إلى تصحيح الوضع في مدوناتي الجديدة وإخطار من وضع وصلة في مدونته متعلقة بما كتبت, بالرابط الجديد من أجل إصلاحه.

– وأريد أيضا أن أنتهز فرصة الحديث عن النص, لأقحم النصوص الساخرة في الموضوع, قرأت يوما نصا ساخرا لمدون سخر فيه من امرأة وتعدى الأمر إلى ذكر بعض خصوصيتها كأنثى, ليس مبررا أن تكون مسئولة حتى نعيث فسادا في أي شخصية بالسخرية وليس من المروءة ولا من الأخلاق أن نسخر من الناس وخاصة من امرأة يقول سبحانه وتعالى (ولا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم) الآية الكريمة, النصوص الساخرة مؤثرة وهناك كثير من القراء من يميل إلى مثل هذا النوع من الكتابة ولكن أرى أنه يجب تسخير هذه الأقلام للنيل من الظواهر الاجتماعية السلبية, والبرامج التي نراها غير مناسبة, وما الفائدة؟ وما القيمة التي يجنيها الساخر من وصف الجسد أو اللباس أو طريقة الأكل والمشي, حتما هذا النوع من الكتابة وان يلقى اهتماما في العالم الغوغائي فلن يكون له ذلك في عالم الكتابة الجادة والمحترفة.

– الاقتباس, كثير من المدونين من يخلط بين مواضيعه الأصلية والمواضيع المقتبسة في تصنيفات المدونة, التصنيفات كثيرا ما تظهر إحصائيات وهي في الحقيقة تعبر عن المحتوى الخاص بالمدون ومن الأفضل أن يتم تخصيص مساحة لأرشفة المواضيع المقتبسة على حدة, مثلا تحت اسم ” مواضيع مقتبسة ” أو ” الملحق ” وهي التسمية التي كنت استخدمها لأرشفة المواضيع المقتبسة في مدوناتي وهكذا يسهل على الزائر تصفح محتوى المدونة أيضا ننصح بأن لا يكون عدد النصوص المقتبسة أكثر مما الأصلية وأن يحرص حسب رأيي أن لا تتجاوز العشرة في المائة من المدونة.

– كثيرا ما يجد المدون وهو يتصفح المدونات مواضيع شد ومد بين مدون ومدون أو مجموعة مدونين ومجموعة أخرى, فيدخل مباشرة في حالة تعاطف مع صاحب الموضوع ولا يتردد في وصف الآخر بما يليق دون أن يطلع على راي الطرف الثاني ويحاول أن يفهم الموضوع ووجهات النظر فيحكم حكما مسبقا ويصدر رأيه دون تفكير, مثل هذه المواقف تتطلب الهدوء وقراءة ما هو موجود بعين العقل لا العاطفة, ثم قراءة وجهة نظر الطرف الثاني لأخذ فكرة عن الموضوع وربما نتمكن من تقريب وجهات النظر, ما الفائدة من إشعال النار من خلال مساندة طرف وإطلاق النار على الطرف الآخر, خاصة إذا ما تعلق الأمر بقضية رأي في قضية ما, كثيرا ما يؤدي جدال ما إلى خصومة أو قطع للعلاقات فلا يصح أن نساهم في أمر كهذا, كما على الملاحظ ومن حسن خلقه أن يسعى إلى تلطيف الأجواء وإصلاح ذات البين حتى في العالم الافتراضي.

حاولت أن أحصي ما استطعت من خلال تجربتي المتواضعة في عالم التدوين, ولعل تطور التقنية وتراكم التجربة ستجعلنا نتحدث في المستقبل عن ما قيل في هذا المقال بطريقة أخرى, أو ربما تكون هناك نقاط جديدة جديرة بأن تكون في قائمة أخلاقيات النص في المدونة.