لماذا مالك بن نبي؟ وما علاقته بالتدوين؟

أحمد الله الذي وفقني لتنظيم مسابقة للمدونات الجزائرية, كانت مجرد فكرة وهاهي الآن تخرج إلى النور بعد أن توفرت لها الأسباب ولله كل الحمد والشكر, الهدف منها تشجيع المدونين على تقديم الأحسن من ناحية المحتوى والشكل, الجزء الأول من المسابقة سيكون موجها للمدونات المكتوبة على مواقع مجانية وسنمنح للفائزين الثلاث إن شاء الله مدونات مدفوعة مع اسم نطاق خاص بالفائز, لتشجيع المدونين على الكتابة في مواقع مستقلة, والتخلص من التبعية للمدونات المجانية في كثير من النقاط, أما الجزء الثاني سيكون موجها للمدونات المدفوعة والجائزة ستكون تسكين مجاني لمدة معينة لم يتم الفصل فيها بعد, وبعد أن اتضح الخيط الأبيض من الأسود كان لزاما أن نختار اسما للمسابقة ودارت في ذهني العديد من الأسماء, وكنت أفكر في اختيار اسم شخصية جزائرية تكون قريبة من عالم الكتابة وعالم التدوين, طبعا إن صح التعبير كل الشخصيات الفكرية والأدبية لم تدون على الويب لغياب التقنية في وقتها, ولكن شخصية مالك بن نبي وجدت أنها الأقرب إلى شخصية المدون, وعندما أعلنت على المسابقة في موقع النادي الجزائري للتدوين, وفي مجموعات المدونين على الشبكة, هناك من تساءل: ما علاقة بن نبي بالتدوين؟ وهو ما شجعني على كتابة هذا المقال لأشرح وجهة نظري حول اختيار التسمية.

ولد مالك بن نبي في الشرق الجزائري بمدينة تبسة الأثرية سنة 1905 ميلادية, وترعرع في عائلة جزائرية فقيرة محافظة, درس في الكتاتيب القرآن الكريم, كما تمدرس في الابتدائي في المدرسة الفرنسية, وأكمل تعليمه سنة 1925, حاول دخول الحياة المهنية فخاض تجربة مع أحد أصدقائه إلى فرنسا, إلى مرسيليا وليون وباريس, لكنها كانت فاشلة أرغمته على العودة إلى تراب الوطن, وبعد محاولات عديدة استقر به المقام في محكمة آفلو ككاتب سنة 1927. سنة 1930 سافر مرة ثانية إلى فرنسا ولكن في رحلة علمية هذه المرة حيث سعى جاهدا إلى دخول معهد الدراسات الشرقية لكن لم يسمح له بالدخول بسبب جزائريته, والتحق بمعهد اللاسلكي وتحصل على شهادة في الكهرباء, بقي في باريس من سنة 1936 إلى سنة 1956, ثم عاد إلى الجزائر سنة 1936 وعين مديرا عاما للتعليم العالي ولكنه استقال من منصبه عام 1967 وانقطع للعمل الفكري وتنظيم ندوات فكرية للطلبة التي كانت النواة لملتقى الفكر الإسلامي الذي يُعقد كل عام فــي الجزائر, توفي مالك بن نبي في 31 أكتوبر 1973, تاركا لنا 24 كتابا من أهمها شروط النهضة 1948, الظاهرة القرآنية 1946, مشكلة الثقافة 1958, مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي 1970, الصراع الفكري في البلاد المستعمَرة 1959 وهو أول كتاب كتبه مالك بن نبي بالعربية مباشرة بخلاف معظم كتبه التي ألّفها بالفرنسية, المعلومات القليلة المتوفرة التي سمحت لنا باكتشاف حياة الكاتب تجعلني أحس بهذه الشخصية, شخصية المواطن الجزائري البسيط التي كابدت الصعاب من أجل العمل والدراسة, ومن أجل النجاح, ولم يكن مواطنا أنانيا بل اهتم بمشكلات وطنه وعصره, وحاول أن يحلل الظواهر ويصف لها الحلول, فنشط الكثير من الندوات ودون لذلك كتبا لا زالت لحد الآن تشهد على فكره وآرائه, وهي الصفة التي يشترك فيها بن نبي مع المدون الجزائري الآن, ليس المدون العابث الباحث عن الإشهار والألقاب, وإنما المدون المواطن الذي يكافح في هذه الحياة من اجل أن ينجح في حياته, ومن أجل أن يساهم في تغيير المظاهر السلبية, وعلى نهج بن نبي المساهمة في تحليل ظواهر حاضره ووصف الحلول لها.

كانت لمالك بن نبي نظرة ثاقبة إلى مشكلات الشعوب النامية, واعتبرها مشكلة حضارية يقول: (إن مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته، ولا يمكن لشعب أن يفهم مشكلته ما لم يرتفع بفكره إلى مستوى الأحداث الإنسانية وما لم يتعمّق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها)(1), وهو يريد بقوله من العالم العربي والإسلامي أن يعود إلى مقومات حضارته وثوابتها إن هو أراد استعادة حضارته من جديد, وحدد المشاكل التي تعيق أي متخلف سائر نحو النمو في ثلاث عناصر, مشكل الإنسان, مشكل التراب, ومشكل الزمن, يقول مالك بن نبي(إن أول ما يجب علينا أن نفكّر فيه حينما نريد أن نبني حضارة أن نفكّر في عناصرها تفكير الكيماوي في عناصر الماء إذا ما أراد تكوينه، فهو يحلّل الماء تحليلاً علمياً ويجد أنه يتكوّن من عنصرين عنصر الهيدروجين وعنصر الأكسجين ثم إنه بعد ذلك يدرس القانون الذي يتركّب منه هذان العنصران ليعطيانا الماء، وهذا بناء وليس تكديساً، ذلك لأنه لو كدّس ملايين من الأطنان من الهيدروجين والأوكسجين ثم بقي ينتظر أن يتكوّن الماء فإنه لا يتكوّن وحده إلاّ بأن يبعث الله إليه شرارة من عنده) (2), والقصد أن أي مجتمع لن ينجح إلا إذا كان مهيأ لأداء مهمة توفير العناصر اللازمة لرقيه بحيث يربط بين عناصر الإنسان والتراب والزمن ربطا وظيفيا لا تكديسيا.

يعرف مالك بني نبي الحضارة في قوله: (أهم من نور الكهرباء وصوت المذياع وما إلى هنالك من المنتجات الحضارية ؟ إنها ليست في شيء من ذلك وحده. ليست في أن أحل مشكلة هنا ببناء مدرسة ومشكلة أخرى ببناء مستشفى من غير أن يكون ذلك كله متوائماً مع توجيه لإمكاناتنا نحو البناء في كل مكان وفي أهم مكان، أعني نحو البناء من داخل النفس بأن تغير تلك النفس الساكنة المستكينة التي انفصلت عن المجتمع وأسلمته وأسلمت نفسها إلى الجهل الذي نراه اليوم بيننا متفشياً ونرى أنه ينفع في علاجه بناء مدرسة, والمرض الذي يتراءى لنا علاجه في بناء مستشفى الخ, فإن هذه المشاكل الأخيرة والملحّة كلها سوف لا تجد حلها ببناء مدرسة للأولى ومستشفى للثانية. إن حلّها بإصلاح الفساد في الرأس، ذلك المنبع الذي ما زال يشيع الجهل والمرض وهي النفس الإنسانية. وحينئذ سوف يؤدي المستشفى عمله على أتمه والمدرسة أيضاً)(3). وأنا أقرأ هذا الكلام الجميل تراءت لي تلك الأبهة التي أصبحت عليها محاكمنا, ومكاتب البريد, وكثير من الإدارات, واجهات زجاجية, وأثاث فاخر, وأرضية رخامية, فيما بقى شامخا ذلك العقل البيروقراطي خلف الشبابيك, لا استقبال ولا معاملات, وكان الأحرى أن ننّجر قليلا من صدأ الذهنيات, ونبني فيها أفضل من فخامة المبنى, وربما يدخل المواطن إلى مبنى ترابي ليقضي حاجته فيحس أنه في قصر من حسن المعاملة, فيما يبصق ألف مرة على كل ما هو رخام إن هو لم يقضها, وكم لنا من المدارس والجامعات, ماذا أنتجت؟ حقا البناء لم يقدم لنا الإطار الذي نريده, لأن العقل الذي عشش فيه الجهل, لم يسمح بتحقيق النقلة النوعية.

المقام لا ولن يستع لشرح كل ما فكر فيه مالك نبي, وليس هدفنا في هذا المقال, وإنما أردت أن أقول أن مالك بن نبي بحق رمز للإنسان الذي يفكر في مشكلات عصره, لم يفكر فحسب بل رفع قلمه وكتب تدويناته وأفكاره ليقرأها الجميع, ولو كانت تقنية المدونات الالكترونية متاحة في وقته لكان من أشهر المدونين على الشبكة. في كتابه مشكلات الأفكار قرأت له مقطعا في مقدمة كتابه أحسست وكأنني أقرأ لمدون يقول مال بن نبي (…كنت أدرك حينما قررت العودة إلى هذا العمل مقدار ما ضاع إلى الأبد من المسودة القديمة التي حبّرتها على عجل في القاهرة. بيد أني عندما تناولت مدوناتي وجدت كلماتي بعينها رغم أني لم أجد فيها الموضوع الذي أردت أن اضمنه إياها. كانت هذه مدونات ضمنتها نقاط إرشاد, أو علامات تعينني على الاهتداء إلى العناصر الكامنة في نفسي, والتي كانت تتكامل بمن يحيط بي, أو بما استشفه على رف مكتبة, أو أستقيه من مكان آخر. لذا كانت مدوناتي ميتة في مجملها كعظام نعثر عليها عند نبش قبر ميت, وكان مضمونها يبدو لي بعيدا, وغامضا غير أكيد, وأفضل أن أتركها للذكرى…) (4), ما حصل مع مفكرنا يحصل مع أي مدون, يكتب فيها ما شاء من الأفكار ويدون باستمرار, وقد يمر بفترة فراغ ثم يعود بعد مدة من الانقطاع وقد يتعجب وكأنه ليس هو من كتب, وقد يتراجع عن كثير من السطور التي كتبها, يتقاطع المدون الآن مع أي كاتب في موضوع الكتابة, ويتقاطع مع أي مفكر في فكرة التأمل في مشكلات العصر, والثورة على المظاهر السلبية, والدعوة إلى التصحيح والعودة إلى قيم المجتمع الحضارية.

مالك بن نبي كان نموذج المواطن الجزائري الذي فكر في مشكلات عصره, ونموذج المواطن الذي اختار أن يدون أفكاره لتقرأها الأجيال, لذا اخترناه كرمز للفكر والكتابة, وتكريما له لا تقديسا على ما قدمه للمكتبة الجزائرية, العربية والإسلامية.

حتى أني أرى أن المدونات الالكترونية هي بوابة يعبر منها المدون ليلج عالم الكتابة الورقية, وبعد مدة من الزمن ستتراكم الرفوف بكتب المدونات, وحتما ستكون الكتب التي تحمل فكرا وإبداعا هي الأفضل.

المراجع

(1) شروط النهضة دمشق دار الفكر للطباعة والنشر ص 14.

(2) تأملات. دمشق. دار الفكر للطباعة والنشر ص 168.

(3) المصدر السابق. ص 192.

(4) مشكلات الأفكار صفحة 15.